السيد محمد بحر العلوم

193

بلغة الفقيه

اللهم إلا أن يكون مفاد دليل " صدق العادل " تصديقه في المخبر به وكونه مطابقا " للواقع ، وهو إنما يتم حيث يكون المخبر به من الأمور الحسية أو المنتهية إليها ، لأن احتمال الكذب منفي في حق العادل بما دل على تصديقه ، واحتمال الخطأ منفي بالأصل لندرة وقوعه في المحسوسات ولغوية احتماله فيها عند العقلاء ، ولذا خص الأكثر اعتبار الشهادة فيما كان المشهود به من الأمور الحسية أو منتهيا " إليها . وأما الثاني ، فالمشهود به : مرة يكون له واقع لا يختلف باختلاف الآراء والأنظار ، كالملكية والزوجية ونحوهما وإنما الاختلاف في بعض أسبابه ، وأخرى يكون مما لا واقع له متفقا " عليه ، بل تحققه واقعا يختلف باختلاف الآراء كبعض الأسباب الشرعية ، فإن البيع بالفارسية مثلا عند بعض سبب ، وعند آخر غير سبب . فإن كان المشهود به من القسم الأول ، قبلت الشهادة به مطلقة ، لأنه شئ متحد له واقع غير متخلف فيه ، يمكن استناده في تحققه إلى الحس ، فلا يكلف بالتفصيل ذكر السبب . ولا كذلك لو كان من القسم الثاني لعدم ثبوت واقع إلا بحسب معتقده فلا بد من ذكره مفصلا في شهادته به حتى يعلم موافقته فيه للحاكم وعدمه وليس معنى تصديقه في هذه الصورة إلا تصديق خبره دون المخبر به . ومن الثاني الفسق ، والعدالة بناء على أنها عبارة عن حسن الظاهر ( 1 )

--> ( 1 ) العدالة في اللغة معناها الاستقامة والاعتدال في كل شئ وعدم الجور والانحراف يمينا " وشمالا . وفي مصطلح الفقهاء حيث أخذوها شرطا " في كثير من المسائل والأحكام كمسألة التقليد وإمامة الجماعة والطلاق والشهادات اختلف في حقيقتها : أنها الملكة النفسانية الباعثة على اتيان الواجبات وترك المعاصي ، أو أنها فعل الواجبات وترك المحرمات عن ملكة ، أو أنها الاستقامة العملية والسلوك في جادة الشرع باتيان الواجبات وترك المحرمات ، أو أنها : الاسلام وعدم ظهور الفسق في الخارج ، أو أنها ، حسن الظاهر فحسب ، ولكل من هذه الآراء قائلون وأدلة وصلات بأخبار أهل البيت عليهم السلام : ولو أمعنا التأمل والتحقيق في هذه الآراء الخمسة لتمخضت عن رأيين متعارضين فقط ، فإن الأولين ربما يجتمعان في مفهوم واحد ، فيخضع أحدهما للآخر وتكون الحصيلة : أن العدالة نتيجة عمل خارجي وانطواء نفسي ، والآخران ، الظاهر أنهما من الطرق الكاشفة عن حقيقة العدالة ، لاهي نفسها ، كما أن للعدالة طرقا " أخرى تكشف عنها غير حسن الظاهر وعدم ظهور الفسق ، وهي العلم ، والبينة والوثوق والاطمئنان ، والشياع والاستفاضة على ما قيل . ثم اختلفوا في المعاصي التي تهدم العدالة ، هل تنقسم إلى صغيرة وكبيرة أم كل الذنوب كبائر ؟ وإنما الاختلاف بينهما نسبي . ثم اختلف القائلون بالتقسيم في المائز بينهما فالمشهور : إن الكبيرة ما توعد عليها النار في الكتاب ، وقيل : محض التوعد ، سواء من الكتاب أم من السنة . وقيل : الكبيرة هي ما رتب لها في الشريعة حد معين . وقيل : الكبيرة : هي المعلومة الحرمة بدليل قاطع كاجماع أو كتاب أو سنة ، وقيل : غير ذلك في تعريف الكبيرة ، وبالمعاكسة تعرف الصغيرة لأن الكبر والصغر من المعاني المتضائفة التي يعرف أحدها بمعاكسة الآخر ثم اختلفوا أيضا " بعد الاتفاق بقدح الكبيرة في العدالة واستمرارها هل تقدح الصغائر فيها أيضا " ، وكذا منافيات المروة وهي الصفات الموجبة للخسة والدناءة على اختلافها ؟ إلى غير ذلك من مسائل الخلاف بين الفقهاء في موضوع العدالة وطرقها وقادحيتها وغير ذلك يراجع في تفصيل ذلك : موضوع العدالة في أبواب الاجتهاد وإمامة الجماعة والشهادات من الموسوعات الفقهية وكتب الأخبار .